ما يُبنى بالمواقف.
نولد وحبال مربوطة بيننا وبين العائلة، إن رضينا أو أبينا، إن عرفناهم أو لوّعنا القدر بتعقيد الحبال وضياع مربطها عنهم. نولد وبوصلة دمائنا تشير نحوهم. أما الحب فيأتي صدفة أو بغتة، من دون خطة مسبقة، أو تدبير بشري. دائمًا في الحب هناك قصة عن البداية لا تُصدّق. وحدها الصداقة التي نخلقها، هذا الجدار المنيع الذي نستند على صلابته كلما فرّت رؤوسنا الحياة، نبنيه طوبة طوبة. ونلوّنه بإخلاصنا. لا أحد يصبح صديقًا مصادفة، ولا حتى عرضًا، كما لا تربطنا أي حبال بيولوجية "صداقية" مع أيّ كان. إنها الصداقة؛ نبنيها بالمواقف.
“قيل لفيلسوف: من أطول الناس سفرًا؟ قال: من سافر في طلب صديق”. وأنا أعرف أن أسفار بعضنا كانت شاقة، ولا أنكر معرفتي لمدى خيبة الرجوع منها، ولكني أعرف أيضًا أن بعض الأسفار كانت طويلة جدًا إنما لا تقدّر بثمن.
أكتب اليوم عن كتاب الصداقة والصديق لأبي حيان التوحيدي، يجمع فيه من الحكايات والأقوال والحكم في الصداقة والمؤاخاة والعشرة والوفاء وما في حكمهم. لم يكن لفلسفة أبو حيان حضورًا ملحوظًا في الكتاب، إنما هو عبارة عن مجموعة أدبية من التراث العربي يطرحها ويربط بينها ويعقّب على بعض منها. وأروع ما تضمنّته هو تناقضها وتعدد آرائها ووجهات النظر فيها. حيث تختلف التجارب فيتباين النظر للصداقة بحسب النصيب من الأصدقاء في الحياة وسنلاحظ ذلك في بعض الأقوال التي تمجّد الصديق وتستثنيه وتقرّ بضرورة وجوده مثل قول الحسن بن وهب: "النفس بالصديق آنس منها بالعشيق" والعكس الذي لا يؤمن بهذه العلاقة إطلاقًا ولا يعوّل عليها. مثل جميل بن مرة عندما لزم بيته وقال: "رأيت الشغل بهم تضييعًا للحياة" يعني الشغل بالأصدقاء. وأعتقد أني من فريق الحسن بن وهب؛ حيث أني أؤمن بهذه العلاقة مع إدراكي لندرتها وصعوبة الاعتماد عليها إلا أنها تستحق عناء طريقها. كما أننا نستحق مكانًا نلوذ إليه، وحري بنا أن نكون ملاذًا. إن الحياة تمضي حتى في الوحدة، ولكننا لن نتمكن أبدًا من تجاهل فراغ انتفاء الصديق من حياتنا.
يذكر أبو حيان أن ابن عطاء سمع رجلًا يقول: "أنا في طلب صديق منذ ثلاثين سنة فلا أجده، فقال له: لعلك في طلب صديق تأخذ منه شيئًا، ولو طلبت صديقًا تعطيه شيئًا لوجدت". وقد أعدت قراءة هذا الرد مستهجنة وشاعرة بثقله، إلا أن أبو سفيان قال مستطردًا "هذا كلام ظالم" فردّ لي هدوئي واطمئناني. "الصديق لا يُراد ليؤخذ منه شيء، أو ليُعطى شيئًا ولكن ليُسكن إليه ويُعتمد عليه ويُستأنس به" ومن أجمل وألذ ما قاله "ويُتزيّن به إذا حضر" وأتذكّر كل المرّات التي مشيت بجانب صديقاتي مزهوّة أُعرّف نفسي بهم، مثلما كان ذكرهم العابر وهم غياب اطراءً لي واستئناسًا لروحي.
وفي حكاية يرويها عن ابن توفي ليونس بن عُبيد فذكّره بعض الحاسدين عن صديق لم يأتِ لتعزيته، ولكنه ردّ عليهم ردًا شافيًا وهو ممّا أتبنّاه في صداقاتي، قال:"إنّا إذا وثقنا بمودة أخ، لا يضرّنا أن لا يأتينا" ويونس بن عبيد هذا الصديق الذي يُشترى بماء الروح حتى وإن كان يضمر عتبًا لصاحبه الذي تخلّف عن مواساته، فقد أوسع له العذر قبل أن يعتذر، وفقأ عين الحاسد قبل أن يمدّ النظر. إنه الجدار الصلب الذي اشتدّ واستقام مع السنين حتى خلق له مناعة من أن ترخيه الوشاية والنمائم.
وكان ممّا جمع من المكاتبات بين الأصدقاء هذا العتب المبطّن بالشوق عندما بعث النّضر بن الحارث إلى صديق له بنعلين مخصوفين، وكتب إليه:"إني بعثت بهما إليك، وأنا أعلم أنك عنهما غنيّ، لكني أحببتُ أن تعلم أنك مني على بال". وشعرت أنه يُمضي على المكتوب بخاتمة قصيرة (انتعلهما واقطع الطريق إليّ) ♥️
لم ينجُ أحدًا من الخذلان، وأنا التي تكتب الآن عن حلاوة الصداقة؛ مازلت أحمل في قلبي تلك الندبة القديمة، الندبة التي كانت شقًا هائلًا من يد صديق، إلا أنها ندبة اليوم وقلبي طاب ورحُب. ومع أن أقرب صديقاتي الآن هي أختي، إلا أننا لم نصبح أصدقاءً بالفطرة، فقد استغرق الأمر ثمانية عشر سنة كي أخبرها سرّي الأول وأحفظ سرّها الكبير. سنين طويلة مرّت وهي بجانبي، كنت أعتقد أن الأصدقاء بالخارج فقط، إلا أنهم قد يكونون هنا ومن حولنا، بينما نحن مشغولون بما خلف الأبواب. كانت سارة أختي دائمًا، ولكنها صارت صديقتي منذ تلك اللحظة عندما أغضبها سرّي واستَعَرَت أوداجها لتحميني فعرفتُ أنها الكوكب الذي سيلتقطني كلما هويتُ من هذه الأرض.
اليوم، عندما أرفع رأسي نحو السماء في ليلة صافية أعدّ بها النجوم أتذكر صديقاتي، مسامراتنا الليلية واجتماعنا الحميم، ضحكاتنا وبكائنا، سقطاتنا، وأيدينا الممدودة لنعين بعضنا على الوقوف. أتذكر وأرغب من كل قلبي أن لا تمضي السنين دون أن تعيد وتكرّر وجودنا معًا.
هذه المراجعة إلى الأصدقاء، إلى الذين كانوا لساننا عندما فقدنا القدرة على الكلام، ووضعوا أيديهم على أكتافنا عندما أحدبنا القلق، إلى اللذين طمئنونا أنهم يرون النور في أشد أيامنا ظلامًا، لأولئك الذين ركضوا خلفنا لينقذونا من حماقاتنا، وتفاهاتنا وعمانا، حتى أولئك الذين حاولوا اللحاق بنا وتعثّروا بعقبات الأيام. إليهم؛ أصدقائنا الذين يفتحون أبوابنا متى شاؤوا وكيفما كان لهم أن يأتون. كل عام وأنتم هنا، مُتأهبون بأدواتكم لتُرمّموا بها لوحة الحياة في أعيننا. كونوا متأكدين أننا متأهبون بقدركم.